خيانة النسوية 

2021.10.22 | 06:19 دمشق

2.jpg
+A
حجم الخط
-A

ليس المقصود بالنسوية هنا الحديث عن تاريخ الحركة وموجاتها، وتقلباتها وفق الإيديولوجيات المختلفة، وإنما المقصود التعريف المجمع عليه من أتباعها وهو: العمل من أجل تحقيق المساواة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بمعنى فرص عمل متساوية للكفاءات المتشابهه والراتب المتساوي للعمل نفسه، والمساواة الإنسانية في قوانين الأحوال الشخصية، وقد توجت تلك الحقوق بمصطلح (تمكين المرأة) المرافقة للأبحاث الجندرية التي تدرس علاقة أوضاع المرأة بالدلالة الاجتماعية، إنما المقصود كيف تحققت مطالب تلك الحركة وتمكين المرأة في دول العالم الثالث وبالأحرى دول الأنظمة المتخلفة حضارياً وصاحبة الاستبداد المطلق والفساد المطلق أو في الحركات الثورية المتنوعة النتائج.

وإذا كان هذا المقال لايستطيع بحجمه تقديم دراسة منهجية كاملة عن ذلك الموضوع، لكنه ربما يستطيع إضاءة إشارات دالة تلفت النظر للتعمق في ما آلت إليه تلك الأوضاع، طارحاً سؤالاً محقاً قد يساهم في تطوير الحراك النسوي من جهة ومن مقلب آخر قد يفضح ادعاء أنظمة الاستبداد بالتآمر على حركة تمكين المرأة واستغلالها ليتلطَى خلفها فواته الحضاري والإنساني، في النظام الأسدي مثلا، تُعطى المرأة وزارات غير سيادية، ومع ذلك فقرار تلك الوزارات بيد أجهزة الأمن والسلطة الحاكمة، كما تحرص تلك السلطة على وجود أسماء نسائية في قوائمها المرشحة شكلياً للانتخابات الصورية، عندما تمارس تمثيلية انتخابات مجلس الشعب الذي لاقرار له لذكوره أو إناثه، كما يحرص رئيسها بالظهور إعلامياً مع زوجه بلباس صممته أحدث بيوت التصميم الفرنسية!! ليدل على تقدمه الحضاري الذي يسمح له بتدمير الوطن ومحاربة الشعب (المتخلف المتوحش.. الإرهابي بحسب إعلامه،).

أو قد يُعين ناطقة باسمه تحرص على المظهر نفسه، متجاهلا دور الدعارة والمتاجرة بأجساد الفتيات المنتشرة في أحياء المدن السورية وقد تكون بجانب قصره الفخم الذي يحجب عنه رؤية ما تحت جداره،... بيوت لم تعرفها سوريا في أحلك مراحل تاريخها العريق... وفي النظام الأسدي تنظيم نسوي (الاتحاد النسائي) تقرع طبوله يومياً بتحقيق ذلك النظام تمكين المرأة السورية، لكنه يعمى عن رؤية أن المرأة السورية لا تزال ممنوعة من إعطاء جنسيتها لأولادها الذين ولدوا في سوريا وتربوا في مدارسها وتحت ظل علمها ترعرعوا، ودرسوا في جامعاتها وحين تختلف تلك المرأة برأي سياسي أو مصلحة اقتصادية أو... مع أجهزة الدولة فما أبسط معاقبتها بإلقاء زوجها وأولادها خارج الوطن لأنهم غير سوريين وغير مرغوب بهم، ومنعها من السفر!!    

ومن قوانين ذلك النظام، منع المرأة المسيحية من الاستفادة من إرث زوجها المسلم ... هذا ضمن دولة تقدم نفسها للعالم على أنها دولة علمانية...

ومن قوانينها عدم السماح للمرأة باصطحاب أولادها من زوجها المطلق أو المتوفى أو الذي ما زال حياً يرزق وما زال الزواج قائماً... إلا بموافقة خطية منه أو من إخوته أو والده إلخ... حتى لو كان بينها وبينهم ما صنع الحداد، هي ليست صاحبة رأي بحركة أولادها، والرأي فقط لأصحاب القوامة وفق فهم فقهاء السلطان للشريعة الإسلامية، وما على الأجهزة سوى أن تسلم بذلك الفهم وتحوله إلى قانون، خوفاً من إثارة الرأي العام المقموع دوماً..

ومن قوانينها عدم السماح للمرأة حتى لو كان عمرها متقدماً وتحوز على أعلى الشهادات العلمية وتحتل أفضل المراكز التربوية، بتزويج نفسها، فولي أمرها هو وحده المسموح له بتزويجها!! حتى لو كانت هي بالأربعين ولم يتجاوز هو الثمانية عشر عاما من عمره!!

ومن قوانينها، عدم السماح للمرأة بالسفر خارج الوطن إلا بموافقة ولي أمرها، ومع توجيهات غض النظر عن هذا القانون في المطار، أو في المخارج الحدودية إلا أن ولي أمرها يستطيع منعها إن أراد ذلك..

بعد نضال طويل للنساء الديمقراطيات اللواتي هن خارج أي تنظيم معترف به، استطعن التأثير بقوانين حضانة المرأة وعقوبات جرائم الشرف ولكنه تأثير لا يرقى إلى تحقيق المساواة الإنسانية

ومن الإنصاف القول، بأنه بعد نضال طويل للنساء الديمقراطيات اللواتي هن خارج أي تنظيم معترف به، استطعن التأثير بقوانين حضانة المرأة وعقوبات جرائم الشرف ولكنه تأثير لا يرقى إلى تحقيق المساواة الإنسانية وتمكين المرأة من تحقيق ما تصبو إليه، بل يتجاوز العدالة إلى العادات المتوارثة والتي تتيح له التحايل على القوانين واستثمار الفساد المنتشر بالقضاء لصالحه، وكما يعلن النظام علمانيته وديمقراطيته المزيفتين، ويخفي طائفية واستبداداً قروسطياً مطلقاً، يفعل ذلك أيضاً بقضايا المرأة وحقوقها وتمكينها.

ليس النظام الأسدي وحده قي مثل هذا الموقف ،فقد باتت أنظمة عربية أخرى تتبعه، مع الفارق الكبير والواضح بينها، فها هو النظام التونسي يقدم للغرب صورة متقدمة جداً على الأنظمة العربية الأخرى (ذلك لأن ما حققته المرأة التونسية من تمكين إنساني وقانوني في قضاياها لا تقاس عليه الأنظمة العربية الأخرى) فيُعطي رئاسة الوزراء لامرأة ويُعين عدداً من السيدات في وزارات مهمة، ولكن القرار والسلطة تبقى في يده وتتحول تلك النسوة إلى تبع ليس لهن رأي فيما يُملى عليهن من قرارات.. فإذا كان حال تمكين المرأة وتحقيق أهدافها كذلك، ضمن أنظمة ترفع شعارات التقدم والمساواة والعلمانية،  فكيف هو حالها في الأنظمة التي عُرفت في مصطلحات السياسة العربية بالأنظمة الرجعية..

إن الأنظمة التي لا تستطيع تحقيق المواطنة والعدالة والحرية واحترام الكرامة الإنسانية لا يُمكنها قطعاً أن تُحقق أي مطلب من مطالب حقوق المرأة الاجتماعية أو السياسية أو الإنسانية، إنها تتلطى خلف شعارات وسلوكات شكلانية، وتمارس يومياً تزييفاً لحركات تمكين المرأة وتحقيق مساواتها الإنسانية، إنها خيانة لنضال الحركات النسوية عبر مئات السنين، بل هي خيانة للمجتمع كله رجالاً ونساءً، إن النظام الذي يمارس الاستبداد المطلق من المحال أن يُنصف المرأة فيه... ولن تحقق المرأة أيّا من أهداف تحررها إلا بالنضال المستمر ضده.

أما حركات التمرد والحركات الثورية، فهي – مع شديد الأسف- تمارس أنواعاً من السلوك بعيدة كل البعد عما يُقال حول تمكين المرأة، فالمؤسسات الرسمية  للثورة السورية، لا تختلف عن النظام البائد أو الثائر عليه إلا بمراتب سلبية متعددة، هي تحتاج للمرأة عندما تكون رهينة يفتك توحش الاحتلال أو الاستبداد بها، أو سجينة نشاط وطني تحرري تنال فيه أمرّ العذاب، وعندما تخرج من سجنها تجد من هؤلاء "الثوار" إما طلاقها أو حتى أحياناً أكثر عنفاً من الطلاق بأشواط... أما عندما تنجح تلك الثورات فأصوات إعادتها إلى خدمة البيت بمن فيه تعلو، بل الأعجب كما حدث فيما يسمى المناطق المحررة السورية شرقاً وغرباً وفي تونس، وفي الجزائر، أن أصواتا تضجُ بالتراجع عن القوانين التي كانت تمكن المرأة التونسية من تحقيق حقوقها الإنسانية، أو كانت تطالب بها المرأة الجزائرية بعد انتصار الثورة، ولعل المتابع لجلسات البرلمان التونسي شاهد وسمع مداخلة ذلك النائب فيه حول وجوب عودة المرأة إلى بيتها محرومة من العمل والتمثيل السياسي وحذف القوانين التي أنصفتها في الأزمان السابقة، ولولا أن القوانين التونسية التي شُرعت أيام الحبيب بورقيبة والمعتمدة على فقه الطاهر الحداد، الشيخ التنويري، قد تجذرت في المجتمع التونسي، ولولا تصميم المرأة التونسية على حمايتها، لاستطاع ذلك النائب وأمثاله إلغاء تلك القوانين بالرغم من الثورة الديمقراطية التي أشعلت الربيع العربي كله. ولسُمح للثورة المضادة أن تنتصر، والخوف أن يبقى هذا الاحتمال وارداً.

إن دفع المرأة إلى إبراز صورها وهي خلف الدبابة والمدافع لابسة الأزياء العسكرية أو حاملة أنواعاً من الأسلحة الخفيفة ليس من تحقيق حريتها وحقوقها في شيء، فرسالة المرأة رسالة سلام إنساني أولاً وليست رسالة حروب مهما كانت أسبابها، إن السلام والاستقرار هما فقط ما يوفر البيئة الصالحة لتمكينها ونيل حقوقها، تلك الصور، خيانة للنسوية.

وليست مظاهر اللباس أو مناصب أنظمة الاستبداد التي تسلبها حق اتخاذ القرار المناسب لذلك المنصب، تمكيناً للمرأة، بل هي خيانة لحقوقها، والخيانة هنا ليست فعلاً ذكورياً سلطوياً فقط، بل هو فعلٌ نسوي أولاً  من خلال السيدات اللواتي يمارسن الخيانة بتلك المشاركة.

إن المجتمع الديمقراطي الذي يتبنى أفكار الحرية والعدالة والحداثة والمواطنة والسلطة المعبرة عنه، هو وحده الذي يستطيع تحقيق الأهداف النسوية في تمكين المرأة وتحقيق حقوقها كاملة... وهو فقط الذي يستطيع إغلاق أبواب الفوات الحضاري والتزييف وخيانة الحقوق الإنسانية لأفراده جميعاً.